في المقاهي والمطاعم والمحال التجارية الكبرى وحتى محطات الوقود، أصبح مشهد إخراج الهاتف بدلاً من المحفظة النقدية مألوفاً بشكل متزايد.
وتكشف مؤشرات مركز الاتصال الحكومي عن نمو لافت في حجم المعاملات الرقمية، في دلالة على تغير جذري في السلوك الاستهلاكي للمواطنين.
ويرى المستشار الاقتصادي وحيد الجبو أن هذا الإقبال المتزايد على الدفع الإلكتروني يعكس وعياً متنامياً بمزايا هذه الوسائل، التي توفر على المواطن عناء الوقوف في طوابير المصارف وتكاليف التنقل والوقت الضائع، موضحاً أن الخدمات الرقمية باتت خياراً مفضلاً لشريحة واسعة من الليبيين رغم حداثة التجربة.
لم يكن التحول الرقمي في ليبيا مجرد مواكبة للتطور التكنولوجي العالمي، بل جاء مدفوعاً بشكل أساسي بأزمة سيولة حادة تعيشها البلاد منذ سنوات.
ويقول الجبو إن المحافظ الإلكترونية شكلت متنفساً حقيقياً للمواطنين في ظل شح النقد، إذ أتاحت لهم إجراء معاملاتهم اليومية دون الحاجة لسحب أموال من المصارف، مما ساهم في تخفيف الضغط على السيولة المتداولة بشكل ملحوظ.
لكن التجربة لم تخلُ من إحباطات، حيث يشكو مستخدمون كثيرون من مشكلات تقنية متكررة تعترض عمليات التحويل، بسبب ضعف شبكات الاتصالات وانقطاعها المتكرر، وهي عقبات تقوض الثقة في النظام الوليد وتعطل معاملات المواطنين في لحظات حرجة.
بينما يبدو المشروع الرقمي واعداً على المستوى التقني، يبرز انتقاد لاذع من خبير اقتصادي بارز يرى أن السياسات المطبقة تعيد إنتاج أخطاء الماضي.
ويصف رمزي الجدي الوضع الحالي بأنه “مفارقة صادمة”، حيث تفرض رسوم على المعاملات الإلكترونية بينما يبقى النقد معفى من أي تكاليف، مما خلق فرقاً سعرياً غير مبرر بين الدينار النقدي والدينار المصرفي .
ويوضح الجدي أن هذه السياسة جعلت الدفع النقدي أكثر جاذبية، وأعادت إنتاج منطق السوق الموازي الذي تسعى الدولة إلى القضاء عليه، متسائلاً عن جدوى فرض أعباء إضافية على من يختار الوسائل الحديثة بدلاً من تحفيزه.
يقترح الجدي قلب المعادلة رأساً على عقب، عبر إلغاء جميع الرسوم على المعاملات الإلكترونية مقابل فرض عمولة على الإيداع والسحب النقدي، بحيث يصبح الخيار الرقمي الأقل تكلفة والأكثر جاذبية.
ويؤكد أن النقد نفسه مكلف للدولة من حيث الطباعة والنقل والتأمين، كما أنه يغذي الاقتصاد الموازي ويفاقم أزمة السيولة.
ويخلص الجدي إلى أن ليبيا لا تعاني نقصاً حقيقياً في العملة بقدر ما تعاني سوء توزيع وإدارة للكتلة النقدية، معتبراً أن التحول الرقمي يمثل أداة لاستعادة السيطرة على الدورة المالية، لكنه يحذر من أن استمرار الوضع الحالي سيبقي الإصلاحات مجرد مسكنات سطحية لا تلامس جوهر الأزمة.