وتأتي هذه الخطوة لأول مرة منذ نحو عقدين، لتعكس جهود الحكومة في إعادة تشغيل الصناعة التي شلّتها الصراعات الداخلية، وجذب الاستثمارات اللازمة لتعويض سنوات من التراجع في الإنتاج.
وتأتي عودة ليبيا إلى الاستثمار النفطي في وقت تشهد فيه شمال إفريقيا تحركات مماثلة، حيث منحت الجزائر العام الماضي تراخيص نفطية لأول مرة منذ عشر سنوات، وتخطط لإطلاق جولة عطاءات جديدة في 2026، فيما تكثف مصر وتونس جهودها لاستقطاب شركات الطاقة العالمية.
ويُنظر إلى هذه التحركات على أنها بداية لإعادة المنطقة تدريجياً إلى خريطة الطاقة الدولية، وسط بحث الشركات الكبرى عن احتياطيات جديدة لتعويض انخفاض الإنتاج في مناطق أخرى، وهو ما قد يؤثر على الأسعار العالمية للنفط ويشكل تحدياً لأعضاء تحالف “أوبك+”.
وتتمتع ليبيا بخصائص جغرافية واقتصادية جذابة، إذ تمتلك أكبر احتياطيات النفط في إفريقيا، عالية الجودة ومنخفضة التكلفة، إضافة إلى حقول غاز كبيرة، ما يجعل الاستثمار فيها مجدياً رغم المخاطر السياسية وعدم اليقين القانوني.
وقد تأهلت معظم شركات الطاقة العالمية الكبرى، من بينها إكسون موبيل، شيفرون، شل، توتال إنرجيز وبي بي، إلى جولة العطاءات المقررة في فبراير 2026، إلى جانب نحو 30 شركة أخرى.
ويقول توم ريتشاردز، من شركة الاستشارات “إنفيروس”، إن “هناك أسباب وجيهة للحماس، فتكلفة الإنتاج منخفضة والشروط المالية محسّنة، ولا يزال هناك كم هائل من النفط والغاز في باطن الأرض”.
ومع ذلك، يظل الإنتاج الإقليمي بعيداً عن مستوياته السابقة، فقد تراجع إنتاج شمال إفريقيا من 4.7 ملايين برميل يومياً في 2007 إلى 3.3 ملايين برميل العام الماضي، نتيجة الحروب الأهلية في ليبيا وعقد كامل من ضعف الاستثمارات في الجزائر.
وتشكل ليبيا حجر الأساس لتعافي المنطقة، إذ تشير تقديرات “إنفيروس” إلى أن حقولها النفطية يمكنها تحقيق نقطة التعادل عند أسعار تصل إلى 27 دولاراً للبرميل فقط.
ورغم وجود شركات أجنبية تعمل منذ سنوات، مثل “ريبسول” الإسبانية و”إيني” الإيطالية و”كونوكو فيليبس” الأمريكية و”توتال إنرجيز” الفرنسية، ظل النشاط محدوداً، إذ لم يُحفر سوى 30 بئراً جديدة في 2025 مقارنة بمعدلات ما قبل 2011 التي تراوحت بين 100 و 200 بئر سنوياً.
وتُعد جولة العطاءات المرتقبة في 2026 أضخم مؤشر على بدء تعافي القطاع، إذ تجري شركات أجنبية محادثات لإعادة تشغيل الآبار المتوقفة، وتنفيذ مشاريع إصلاح محدودة للحقول القائمة.
ويستهدف القطاع رفع الإنتاج من نحو 1.3 مليون برميل يومياً العام الماضي إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030، لكنه سيظل أدنى بكثير من الرقم القياسي التاريخي البالغ 3.5 ملايين برميل يومياً المسجل عام 1970.
كما تتوسع الفرص الاستثمارية إلى المياه البحرية للبحر المتوسط، حيث سجلت اكتشافات مهمة قبالة سواحل مصر وإسرائيل ولبنان وتركيا واليونان، إضافة إلى التكوينات الجيولوجية الشبيهة بالصخر الزيتي في حوض “غدامس–بركين” على الحدود الليبية–الجزائرية، الذي لا يزال غير مستغل بالكامل.
ورغم التحديات الأمنية والسياسية، يفرض الواقع الجيولوجي نفسه، إذ يمتد بحر واسع من النفط والغاز بانتظار المستثمرين القادرين على تجاوز العقبات فوق الأرض لتحقيق الاستفادة من الموارد الضخمة.