في هذا السياق، يطل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على المشهد السياسي بموافقة مشروطة على مبادرة رئيس الحكومة الدكتور أسامة حماد لاستئناف حوار ثلاثي يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة، واضحة المهام والصلاحيات، ضمن إطار زمني محدد.
ورغم ترحيب المنفي، يظل واقع العاصمة مشحوناً مع تهديد بعض التشكيلات المسلحة بقيادة قوة حماية طرابلس لطرد حكومة عبد الحميد الدبيبة، معتبرة أن طرابلس “ليست قاعة للمؤتمرات الزائفة”.
ودعت القوة المواطنين للخروج إلى الشوارع والميادين لمطالبة الحكومة بالاستقالة، في ظل تحذيرات من محاولات استهداف أبناء المدينة داخل المؤسسة العسكرية.
يرى محللون أن المشهد يعكس عمق الأزمة الليبية، حيث لا تحسم معركة الشرعية داخل المؤسسات وحدها، بل أيضاً عبر النفوذ العسكري للجماعات المسلحة.
واستغلت هذه الجماعات الفراغ الأمني منذ 2011 لتصبح طرفاً مؤثراً في القرار العام، قادرة على تعطيل عمل المؤسسات ورسم حدود أي مسار سياسي.
وفي مقابل ذلك، تؤكد مبادرة حماد على ضرورة توحيد السلطة التنفيذية كمدخل لإنهاء الانقسام، وترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي، واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته. وقد لاقت هذه الدعوة ترحيباً من قيادات برلمانية، معتبرة أنها “صرخة حق في وجه الانقسام”.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد الليبي من تحديات غير مسبوقة، مع وجود حكومتين متنازعتين، فساد في قطاع المحروقات، وضغوط مالية هائلة، ما يحوّل الدولة إلى ممول استهلاك لا محرك اقتصاد.
وتؤكد تحقيقات النيابة العامة أن فساداً واسعاً مستشرياً في عقود التوريد، بلغت قيمته 9.5 مليارات دولار في 2024، و8 مليارات دولار في 2025، بينما وصف المبعوث الأممي السابق غسان سلامة الوضع بأنه “نهب لثروات البلاد”.
مع تصاعد هذه الأحداث، يبقى السؤال الأبرز: هل ستنتهي حكومة الدبيبة قريباً؟ المحللون يرون أن الحكم لا يزال قائماً على شبكة معقدة من التحالفات السياسية والأمنية، إلا أن الهزات التي يعيشها معسكر الغرب الليبي قد تعيد تشكيل خارطة النفوذ بشكل جذري.
ويبقى الحوار الوطني الجامع الذي يدعو إليه حماد فرصة حقيقية لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، غير أن نجاحه رهين بتجاوز الأطراف السياسية لحساباتها الضيقة ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وليبيا اليوم على مفترق طرق: إما توحيد الدولة وبناء مؤسساتها، أو الانزلاق مجدداً إلى الفوضى، حيث سيكون الشعب الضحية الأكبر لهذا الصراع على السلطة والثروة.