Post image

خلاف برلماني في ليبيا حول مشروع ضرائب الاستيراد

شهد مجلس النواب الليبي خلافاً واسعاً حول مشروع قرار ضريبة الإنتاج والاستهلاك ورسوم الاستيراد، مع سجال سياسي مع مصرف ليبيا المركزي وتحذيرات من تداعيات تسييس القرار في ظل ضغوط معيشية وتراجع قيمة الدينار.

وينص مشروع القرار، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، على إدخال تغييرات هيكلية في نظام الاستيراد، من خلال اعتماد “موازنة استيرادية سنوية” بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي، وتصنيف السلع إلى فئتين: سلع أساسية تُمنح أولوية في توفير النقد الأجنبي، وسلع أخرى يُسمح باستيرادها دون تخصيص نقد رسمي، مقابل فرض ضرائب استهلاك مرتفعة لتنظيم الطلب.

كما يتضمن المشروع فرض ضرائب تصاعدية تتراوح بين 2% و 35% بحسب نوع السلعة، إلى جانب تشديد الضوابط المصرفية وربط الإفراج عن البضائع بسداد الضرائب إلكترونياً.

وغير أن الجدل تصاعد عقب صدور بيان موقّع من نحو 70 عضواً في مجلس النواب، أكدوا فيه أن ما جرى تداوله لا يتجاوز كونه “مشروع قرار” قُدم للنقاش ولم يصدر رسمياً عن رئاسة المجلس، ولا يترتب عليه أي أثر تشريعي أو قانوني.

وأعرب النواب عن استغرابهم من تسريب المشروع ونشره من قبل جهات غير معلومة، معتبرين أن الهدف من ذلك إحداث بلبلة وتشويه صورة المجلس في توقيت وصفوه بالحساس.

وشدد البيان على أن المراسلة الصادرة عن لجنة الاقتصاد بالمجلس “غير نافذة وغير ملزمة»، محمّلين مصرف ليبيا المركزي المسؤولية القانونية عن أي إجراء قد يُتخذ استناداً إليها، ومطالبين بسحبها فوراً ووقف أي ترتيبات تنفيذية.

ويعكس هذا الموقف حالة انقسام واضحة داخل البرلمان، ويكشف عن ارتباك في مسار اتخاذ القرار، لا سيما في الملفات الاقتصادية ذات التأثير المباشر على حياة المواطنين.

وفي المقابل، كانت لجنة الاقتصاد والاستثمار بمجلس النواب قد وجهت مراسلة إلى مصرف ليبيا المركزي، دعت فيها إلى الشروع في تنفيذ قرار تحصيل ضرائب ورسوم على بعض السلع اعتباراً من منتصف يناير، مع إيداع قيمتها في حساب موحد لدى المصرف عند فتح الاعتمادات المستندية أو تنفيذ الحوالات.

ورغم أن المراسلة لم تحدد بشكل دقيق نسب الضرائب أو أنواع السلع المشمولة، أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة اقترحت نسباً تتراوح بين 2% و 25% وفق طبيعة السلعة، على أن يُترك التقدير النهائي للمصرف المركزي والجهات المختصة.

ويرى مراقبون أن التباين بين بيان النواب ومراسلة لجنة الاقتصاد يعكس صراعاً داخلياً على الصلاحيات داخل المؤسسة التشريعية، ويعيد إلى الواجهة إشكالية غياب آلية واضحة وموحدة لصنع القرار الاقتصادي.

ويؤكد هؤلاء أن تسريب مقترحات غير محسومة للرأي العام دون غطاء تشريعي واضح يسهم في إرباك السوق، ويزيد من حالة عدم اليقين، خصوصاً لدى المستوردين والتجار.

ويضع سياسياً هذا الخلاف مصرف ليبيا المركزي في موقع بالغ الحساسية، إذ يسعى من جهة إلى ضبط سوق النقد الأجنبي والحد من المضاربة عبر توسيع الاعتمادات المستندية وتشديد القنوات النظامية لبيع العملة والترخيص لشركات صرافة جديدة، بينما يجد نفسه من جهة أخرى متهماً بتجاوز دوره الفني والانخراط في قرارات ذات طابع تشريعي دون تفويض صريح.

وتشير تقارير لمراقبين اقتصاديين إلى أن توقيت الجدل يتزامن مع تطورات لافتة في سوق الصرف، حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 9 دنانير مقابل 6.40 دنانير رسميًا، بالتوازي مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

ويرى هؤلاء أن أي حديث عن فرض ضرائب جديدة، حتى وإن استهدفت السلع الكمالية، يتحول إلى مادة قابلة للتوظيف السياسي، سواء لتبرير إجراءات تقشفية أو لتوجيه الانتقادات بين الأطراف المتنازعة.

كما يحذر مراقبون من أن تسييس ملف الضرائب والاستيراد قد يقوض الثقة بين المؤسسات، ويضعف فرص التوصل إلى سياسة اقتصادية متماسكة، في ظل غياب موازنة عامة موحدة واستمرار الانقسام التنفيذي.

ويؤكدون أن معالجة اختلالات سوق النقد الأجنبي تتطلب تنسيقاً عالي المستوى بين السلطتين التشريعية والنقدية، بدل تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات.

وفي المحصلة، يعكس الجدل الدائر حول مشروع تنظيم ضرائب الاستيراد حالة أوسع من الاضطراب السياسي والمؤسسي في ليبيا، حيث تتحول المقترحات الاقتصادية إلى ساحة صراع سياسي، وتغيب الحدود الفاصلة بين ما هو تشريعي وما هو تنفيذي.

وبينما يترقب الشارع أي خطوات من شأنها كبح ارتفاع الأسعار وتحقيق استقرار سعر الصرف، يبقى الخلاف القائم مؤشرًا على أن طريق الإصلاح الاقتصادي لا يزال مرهونًا بحسم الخلافات السياسية أولًا.