Post image

حملة مقاطعة واسعة للبيض في طرابلس احتجاجاً على انفلات الأسعار

تشهد العاصمة الليبية طرابلس منذ أيام حالة لافتة من التفاعل الشعبي والاقتصادي، على خلفية الارتفاع الحاد في أسعار البيض، إحدى السلع الغذائية الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي للأسر.

وهذا الارتفاع، الذي وصفه مواطنون بأنه قياسي وغير مسبوق، لم يظل في إطار التذمر الفردي، بل تحوّل إلى حراك منظم قاده مستهلكون وناشطون، تمثل في إطلاق حملة واسعة لمقاطعة شراء البيض، في محاولة للضغط على السوق وإجبار الأسعار على التراجع.

ويُعد البيض عنصراً أساسياً على موائد الليبيين، نظراً لكونه مصدراً مهماً للبروتين بسعر كان يُعد مقبولاً مقارنة بغيره من السلع الغذائية، إلا أن الزيادات المتتالية التي شهدتها أسعاره خلال الأشهر الماضية غيّرت هذه المعادلة، لتتحول السلعة من خيار اقتصادي إلى عبء إضافي يثقل كاهل المواطن في ظل الارتفاع العام لتكاليف المعيشة.

وبحسب متابعات ميدانية، بلغ سعر طبق البيض في أسواق طرابلس نحو 25 ديناراً، فيما وصل سعر البيض المغلف إلى قرابة 30 ديناراً، وهي مستويات غير مسبوقة في السوق المحلية، خاصة عند مقارنتها بسعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية ومتوسط الدخل الفردي.

ومع اتساع رقعة الغضب الشعبي، لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تنظيم الحراك، حيث أطلق ناشطون دعوات صريحة لمقاطعة شراء البيض، معتبرين أن الامتناع الجماعي عن الشراء هو الوسيلة الأنجع لمواجهة ما وصفوه بجشع السوق وكسر موجة الارتفاع غير المبررة.

ولم يقتصر تأثير الحملة على الفضاء الرقمي، بل انتقل إلى الواقع، إذ عمدت بعض المحال التجارية إلى تعليق لافتات تدعو الزبائن للتوقف مؤقتاً عن شراء البيض حتى انخفاض أسعاره، في خطوة عكست تقاطع مصالح التجار الصغار مع معاناة المستهلكين.

ويرى منظمو الحملة أن الارتفاع في الأسعار لم يكن تدريجياً، بل جاء متسارعاً ومفاجئاً، إذ قفز سعر طبق البيض خلال فترة قصيرة من نحو 15 ديناراً إلى أكثر من 25 ديناراً، ما جعل سعر البيضة الواحدة يصل إلى مستويات وصفوها بغير المنطقية قياساً بالدخل العام، وأكدوا أن غياب أي تدخل فعّال من الجهات الرسمية لضبط السوق لم يترك أمام المواطن خياراً سوى اللجوء إلى الضغط الجماعي.

وفي قلب الأسواق الشعبية وسط طرابلس، يعبر عدد من أصحاب المحال عن تذمرهم من الوضع القائم، مؤكدين أنهم وجدوا أنفسهم عالقين بين ارتفاع أسعار الجملة من جهة، وتراجع قدرة الزبائن على الشراء من جهة أخرى.

ويشير بعض التجار إلى أن الزيادات الأخيرة فُرضت من أسواق الجملة دون مبررات واضحة، وأن هوامش أرباحهم لم تشهد تحسناً، في حين أصبحوا في واجهة الغضب الشعبي.

وأما على مستوى الإنتاج، فيؤكد مربو الدواجن أن أزمة أسعار البيض مرتبطة بشكل مباشر بارتفاع تكاليف الأعلاف، التي شهدت بدورها زيادات حادة نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار المواد المستوردة.

وبما أن قطاع تربية الدواجن يعتمد بشكل كبير على الأعلاف المستوردة، فإن أي تراجع في قيمة الدينار الليبي ينعكس فوراً على كلفة الإنتاج، ما يدفع المربين إلى رفع الأسعار لتجنب الخسائر.

ويُعد سعر صرف الدينار الليبي عاملاً محورياً في تفاقم أزمة البيض، إذ يؤدي تراجعه إلى ارتفاع تكاليف الأعلاف والأدوية البيطرية ومختلف مستلزمات التشغيل. وفي ظل غياب سياسات دعم واضحة، يتحمل المنتج وحده عبء هذه الزيادات، قبل أن تنتقل تبعاتها إلى المستهلك ضمن حلقة تضخمية متواصلة لا تبدو لها نهاية قريبة.

وتشير بيانات متداولة إلى أن إنتاج لحوم الدواجن في ليبيا بلغ خلال السنوات الأخيرة مستويات قريبة من ذروته التاريخية، غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة هيكلية في القطاع.

وفي المقابل، يظل استهلاك البيض في ليبيا دون المتوسط العالمي، ما يعكس محدودية القدرة الشرائية للمواطن، ويجعل أي زيادة في الأسعار صدمة مباشرة لسلوك الاستهلاك.

ويرى محللون اقتصاديون أن حملات المقاطعة تمثل إحدى أدوات الضغط الشعبي الفعّالة في اقتصاد يعاني ضعف الرقابة، مؤكدين أن تجارب سابقة أظهرت قدرة الامتناع الجماعي عن الشراء على كسر موجات المضاربة وإجبار الأسعار على التراجع، خصوصاً في السلع سريعة التلف مثل البيض، حيث يشكل انخفاض الطلب خطراً مباشراً على التجار والموزعين.

وتعيد أزمة البيض تسليط الضوء على غياب دور الدولة في تنظيم الأسواق، في ظل انعدام التسعيرة الاسترشادية، وضعف الرقابة على أسواق الجملة، وغياب آليات متوازنة لحماية المنتج والمستهلك، وقد سمح هذا الفراغ بانتشار المضاربات وسيطرة عدد محدود من الوسطاء على حركة الأسعار، مستفيدين من ضعف الرقابة وتشتت القرار الاقتصادي.

ويحذر اتحاد مربي الدواجن من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز مسألة ارتفاع الأسعار، إذ يواجه القطاع خطر الانهيار في حال تواصل ارتفاع تكاليف الأعلاف وغياب الدعم الحكومي.

ويؤكد الاتحاد أن البيض من السلع القليلة المنتجة محلياً دون استنزاف العملة الصعبة، وأن تراجع هذا القطاع سيجبر البلاد على الاستيراد بأسعار مرتفعة، ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي.

ولا تنفصل أزمة البيض عن المشهد السياسي العام في ليبيا، حيث يسهم الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار وتعقيد الوضع المالي في إعاقة صياغة سياسة اقتصادية موحدة قادرة على معالجة أزمات السوق.

وفي ظل هذا الواقع، تتحول الأزمات المعيشية إلى عامل إضافي لتأجيج الاحتقان الاجتماعي، وتغدو السلع الأساسية مؤشراً يومياً على عمق الاختلالات البنيوية في الدولة.

وما يميز الأزمة الحالية هو بروز المجتمع كفاعل رئيسي في المشهد، لا كمجرد متلقٍ للقرارات، إذ تعكس المقاطعة الشعبية وعياً متزايداً بأدوات الضغط الاقتصادي، ورغبة في إعادة ضبط العلاقة بين المستهلك والسوق، ويرى مراقبون أن هذا الحراك، وإن بدا محدوداً زمنياً، يحمل دلالات أعمق حول تغير أنماط التفاعل الاجتماعي مع الأزمات الاقتصادية.

ويبقى السؤال مفتوحاً بشأن مآلات هذه الأزمة: هل تنجح المقاطعة الشعبية في إعادة الأسعار إلى مستويات مقبولة، أم أن العوامل الهيكلية، من سعر الصرف إلى تكاليف الإنتاج، ستُبقي الأسعار مرتفعة؟ ويرى مختصون أن الإجابة مرهونة بتدخل حكومي جاد يعالج جذور المشكلة لا مظاهرها فقط، ويعيد الاعتبار لسياسات الدعم والرقابة.

وبين مقاطعة شعبية تبحث عن إنصاف، وسوق منفلتة تسعى إلى تعظيم الربح، ودولة غائبة عن المشهد، يجد المواطن الليبي نفسه في مواجهة مباشرة مع كلفة العيش، منتظراً حلولاً تتجاوز ردود الفعل المؤقتة نحو إصلاحات اقتصادية جذرية.