وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأميركية طرحت ما يوصف بأنه أكثر مبادراتها طموحا في ليبيا منذ فترة طويلة، انطلاقا من قناعة مفادها أن الانخراط الاقتصادي يفتح الباب أمام تقدم سياسي طال انتظاره.
وبدل التركيز على أطر الوساطة الرسمية، تميل واشنطن إلى بناء شراكات تجارية مع الأطراف المتنافسة، وجعل الاستثمارات في قطاع الطاقة والتواصل رفيع المستوى أدوات أساسية في استراتيجيتها الجديدة.
وترى الصحيفة أن عودة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الملف الليبي ليست خطوة بروتوكولية عابرة، بل تحرك مدروس يعتمد على حضور سياسي واقتصادي مباشر واتصالات مع مراكز القوى المختلفة داخل البلاد.
وتأتي هذه العودة بعد أكثر من عقد من الغياب النسبي للدور الأميركي، اقتصر خلاله الحضور على دعم محدود لمسار الوساطة الذي تقوده الأمم المتحدة، في وقت نجحت فيه قوى دولية أخرى، وعلى رأسها روسيا، في توسيع نفوذها داخل المشهد الليبي.
وخلال تلك السنوات، تعثرت العملية السياسية رغم تعدد المبادرات واتفاقات وقف إطلاق النار، ما دفع واشنطن، وفق التقرير، إلى اختبار ما إذا كان النفوذ الاقتصادي قادرا على تحقيق ما عجزت عنه الأدوات الدبلوماسية التقليدية.
ويشير التقرير إلى أن الإدارة الأميركية جعلت من صفقات الطاقة محورا رئيسيا لعودتها إلى ليبيا، معتبرة إياها مدخلا عمليا لإعادة الانخراط والتأثير.
وشملت التحركات الأخيرة مشاركة شركات أميركية وأوروبية كبرى في مشاريع تهدف إلى رفع الإنتاج النفطي ودعم قطاع الطاقة على المدى المتوسط، فيما يعد أكبر موجة استثمارات غربية في هذا القطاع منذ سنوات.
وبالفعل، بلغ الإنتاج النفطي الليبي مستويات غير مسبوقة منذ عام 2011، فيما ترى الأطراف المتنافسة في الشرق والغرب أن زيادة الإنتاج تمثل عنصرا أساسيا لتحقيق قدر من الاستقرار المالي للدولة.
ومن وجهة نظر واشنطن، تهدف هذه الاستثمارات الواسعة إلى إرسال إشارة جدية، وفي الوقت نفسه خلق مصالح مشتركة قد تدفع الأطراف نحو قدر أكبر من التعاون.
غير أن الصحيفة تحذر من أن غياب ضمانات واضحة يجعل هذه العائدات الجديدة عامل توتير إضافي بدل أن تكون جسرا للتقارب، مذكرة بأن عائدات النفط كانت في مراحل سابقة سببا في تعميق الصراعات حول إدارة الموارد وتوزيع الإيرادات والرقابة على المؤسسات المالية.
ويضع التقرير مستشار الرئيس الأميركي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، في صلب هذا التوجه الجديد، مشيرا إلى أنه أجرى سلسلة لقاءات في نهاية يناير الماضي مع معظم الأطراف الليبية، في إطار مسعى لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وربطها بمشاريع اقتصادية ملموسة.
وتعكس أجندة تحركات بولس، بحسب الصحيفة، اعتقادا متزايدا داخل الإدارة الأميركية بأن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تخفف من حدة الانقسامات السياسية، وأن تستخدم صفقات الطاقة ليس كمكافأة على التقدم السياسي، بل كأداة لدفعه.
وفي هذا السياق، ترى تركيا اليوم أن واشنطن لم تعد تراهن فقط على الضغط الخارجي، بل على بناء شبكة مصالح اقتصادية وتجارية طويلة الأمد تساهم تدريجيا في تهيئة الأرضية لحوار سياسي أوسع.
وضمن هذه المقاربة، جمع لقاء نظمه بولس في باريس الأسبوع الماضي ممثلين عن أطراف ليبية متنافسة للمرة الأولى منذ أشهر، حيث ناقشوا ملفات التعاون في مجال الطاقة، والتنسيق العسكري، وعمل المؤسسات المالية الوطنية.