ويأتي هذا التطور بالتزامن مع بدء مكاتب الصرافة المعتمدة العمل بالتنسيق مع المصرف المركزي لأغراض شخصية، بسعر يقارب 7.45 دنانير للدولار.
ويرى خبراء أن هذه القفزات تعكس اختلالات أعمق من مجرد نقص مؤقت في المعروض، ويقول الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينة إن المصرف المركزي يلاحق تحركات السوق بدل أن يقودها، عبر ضخ المزيد من النقد الأجنبي دون تشخيص دقيق لمصادر الطلب الحقيقي.
ويضيف أن هذه المقاربة لم تنجح في تضييق الفجوة، بل أسهمت في اتساعها، مشيرا إلى أن مقارنة ما جرى بيعه من عملات أجنبية خلال العامين الماضيين بحجم السيولة المحلية تظهر أن الضخ لم يحقق الاستقرار المنشود، بل زاد الضغوط على السوق.
ويؤكد أبو سنينة أن المشكلة لا يمكن اختزالها في معادلة العرض والطلب التقليدية، إذ توجد عوامل عدم استقرار وهيكلية أوسع، محذرا من الاستمرار في سياسة “التجربة والخطأ” في ظرف اقتصادي حساس.
ومن جانبه، يعتبر المحلل المالي إدريس الشريف أن حجم الإيرادات المتاحة للمصرف المركزي أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لتلبية الطلب الفعلي على العملة الصعبة، ما يجعل السحب من الاحتياطيات خيارا شبه حتمي.
ويشير إلى أن تراجع الإيرادات عامل خارج عن سيطرة المصرف، لكنه يظل محددا أساسيا في مستوى الضغط الواقع على سعر الدولار.
ويضيف الشريف أن بإمكان المصرف المركزي لعب دور أكثر فاعلية في استعادة قدر من الاستقرار النقدي عبر ضبط الإنفاق العام، والتوقف عن تمويل العجز بالدين، وتنظيم منح الاعتمادات التجارية، وإدارة الطلب الحكومي خارج الموازنة، الذي يشكل الجزء الأكبر من الطلب على العملة الأجنبية.
وبرأيه، فإن تحقيق استقرار الدينار وكبح التضخم يتطلب توافر هذه الشروط مجتمعة، محذرا من أن استمرار اختلالها يعني بقاء مسار الصعود في سعر الصرف، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، حيث يتزايد الطلب رغم ضخ كميات إضافية من النقد الأجنبي، في إشارة إلى أن الضغط الحالي ناتج بدرجة كبيرة عن نشاط حكومي خارج إطار الموازنة وليس عن المضاربات فقط.
وفي الاتجاه نفسه، يرى المحلل الاقتصادي حسين البوعيشي أن المشهد الحالي يعكس تصاعدا مستمرا للضغوط على سوق النقد الأجنبي، في ظل خلل هيكلي مزمن بين العرض والطلب وغياب أدوات فعالة لتنظيم التدفقات المالية.
ويشير إلى أن الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يكشف عن طلب مرتفع وغير منظم، يعود جزئيا إلى إنفاق حكومي خارج الموازنة وجزئيا إلى نشاطات مضاربية فردية، في وقت تبقى فيه قدرة المصرف المركزي على التحكم محدودة.
وتظهر بيانات عام 2025 أن استخدامات النقد الأجنبي بلغت نحو 31.1 مليار دولار، مع تسجيل عجز يقارب 9 مليارات دولار، وأرجع المصرف المركزي هذا الاتساع في العجز إلى تراجع الإيرادات النفطية منذ سبتمبر الماضي، موضحا أنه جرى تعويضه من عوائد الاستثمارات في الودائع والسندات والذهب، مع تحقيق فائض إجمالي يناهز 1.7 مليار دولار.
وسط هذه الأرقام، تبدو سوق الصرف الليبية أمام مرحلة أكثر تعقيدا، حيث لا يقتصر التحدي على توفير العملة الصعبة، بل يمتد إلى إعادة ضبط السياسة المالية والنقدية ككل، في محاولة لوقف دوامة التراجع المستمر في قيمة الدينار.