Post image

إحاطة أممية تكشف عمق المأزق الليبي.. انقسامات داخلية وتراجع الزخم الدولي يعرقلان المسار السياسي

قدمت المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن إحاطة جديدة عكست صورة مركبة للأزمة الليبية، في توقيت يتسم بتداخل التعقيدات الداخلية مع تراجع واضح في الاهتمام الدولي بالملف.

وأظهرت الإحاطة حجم الصعوبات التي تواجه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، وتعدد مراكز النفوذ، وغياب أدوات إلزام فعالة قادرة على تحويل أي تفاهمات سياسية إلى واقع ملموس على الأرض.

وفي هذا السياق، اعتبر المترشح لرئاسة الحكومة المقبلة، الدكتور سلامة الغويل، أن ما ورد في إحاطة تيتيه يعكس فهما دقيقا لتعقيدات المشهد الليبي، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على أزمة أعمق تتعلق ببنية النظام السياسي نفسه.

وقال الغويل، في تصريح صحفي، إن المشكلة لم تعد تكمن في نقص المبادرات أو غياب الحوارات، بل في افتقاد الإرادة السياسية لدى الأطراف الرئيسية داخل مجلسي النواب والدولة، الذين حوّلوا الخلافات الإجرائية إلى أدوات للحفاظ على مواقعهم ومصالحهم.

وأوضح أن الحوار المهيكل الذي أطلق مؤخرا يمثل خطوة مهمة على المستوى الشكلي، لكنه يظل محدود الأثر ما لم يقرن بآليات ضغط حقيقية تستهدف مراكز القرار التقليدية، مؤكدا أن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن توسيع دائرة الحوار لا يؤدي بالضرورة إلى كسر احتكار الشرعية أو الموارد، ما لم يربط الدعم الدولي بتنفيذ صارم لخارطة الطريق ضمن جداول زمنية واضحة.

وأشار الغويل إلى أن الانقسام المالي واستمرار الهشاشة الأمنية يشكلان عائقين إضافيين أمام أي تقدم سياسي، إذ ينعكس الانقسام المالي سلباً على الخدمات العامة ويقوض ثقة المواطنين، بينما لا تزال الأوضاع الأمنية عرضة لاضطرابات واشتباكات متفرقة، إلى جانب استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي والعنف ضد النساء والمهاجرين، وهي عوامل تجعل تنظيم انتخابات آمنة أمراً بالغ الصعوبة.

وعلى الصعيد الخارجي، رأى الغويل أن الإحاطة الأممية لم تتناول بالقدر الكافي الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة، لافتاً إلى أن بعض القوى الخارجية تستثمر في الانقسامات الداخلية، فيما ترتبط بعض النخب المحلية بمصالح خارجية تضمن لها البقاء في السلطة، ما يضاعف هشاشة الدولة ويؤخر أي اختراق سياسي حقيقي.

ومن جانبه، اعتبر الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تواجه حالة من التعثر، تعود في جوهرها إلى صراع سياسي بين مشروعين متناقضين: مشروع دولي يسعى إلى إنهاء المراحل الانتقالية عبر سلطة موحدة ذات شرعية متوافق عليها، وآخر تقوده نخب محلية ترى في استمرار الوضع القائم مصلحة مباشرة لها.

وأشار بلقاسم إلى أن اعتماد البعثة على مسار الحوار المهيكل، القائم على أربعة محاور تشمل المسارات السياسي والأمني والاقتصادي والمصالحة، يمثل تطورا مهما من حيث الشكل، لكنه يطرح تساؤلات جوهرية حول القدرة على تحويل مخرجاته إلى التزامات ملزمة، خصوصا في ظل تفكك الموقف الدولي وتصنيف الملف الليبي كأولوية ثانوية مقارنة بأزمات إقليمية أخرى.

وأضاف أن التحدي الحقيقي سيبرز بعد انتهاء مهلة الحوار المهيكل، التي حددتها البعثة بين أربعة وستة أشهر، متسائلا عن الآليات التي يمكن من خلالها إلزام الأطراف المحلية والدولية بتنفيذ التوصيات، في ظل غياب أدوات ضغط حقيقية وتعدد المسارات السياسية المتوازية.