تشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا مخلفات الحرب في ليبيا بلغ نحو 300 وفاة بين عامي 2020 و2025، من بينهم أطفال، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تخلفها الحروب بعد سنوات من انتهائها.
وفي أحدث الوقائع المؤلمة، أعلنت السلطات الأمنية في العاصمة طرابلس مقتل طفل يبلغ من العمر 11 عاماً في 27 فبراير الماضي، إثر انفجار قذيفة من مخلفات الحرب عثر عليها في الشارع بمنطقة قصر الأخيار قرب مدينة الخمس، أثناء لعبه مع أصدقائه.
وقبلها بيوم واحد فقط، أعلنت سلطات طرابلس إصابة أربعة أطفال بجروح خطيرة من جراء انفجار مخلفات حرب داخل مزرعة في منطقة عين زارة جنوب العاصمة.
وقال جهاز المباحث الجنائية إن فريق تفكيك المتفجرات انتقل فور تلقي البلاغ إلى المكان لاتخاذ الإجراءات العاجلة، حيث باشرت الفرق أعمال المسح الميداني وجمع الاستدلالات للتأكد من خلو الموقع من أي أجسام أخرى قد تشكل خطراً على المواطنين.
وأظهرت المعاينة الأولية أن الانفجار ناتج عن مخلفات حرب كانت موجودة في أرض المزرعة، ما أدى إلى إصابة الأطفال بشظايا خطيرة نقلوا على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وتعد هذه الحوادث جزءاً من ظاهرة متكررة في مناطق عدة، ففي ديسمبر الماضي، أصيب ثلاثة أطفال إثر انفجار مخلفات حربية في منطقة خلة الفرجان بطرابلس، حيث عثر جهاز المباحث الجنائية على شظايا ناتجة عن الانفجار نتجت عن طرق أحد الأطفال لمقذوف من عيار 23 ملم، ما أدى إلى انفجاره.
وعقب كل حادث، يجدد جهاز المباحث الجنائية تحذيره للمواطنين بضرورة الإبلاغ الفوري عن أي أجسام غريبة أو مخلفات حرب، وعدم الاقتراب منها أو العبث بها حفاظاً على سلامتهم، لكن هذه التحذيرات تبقى غير كافية لوقف نزيف الضحايا.
تعتبر الناشطة المدنية فاطمة التركاوي أن استمرار سقوط الأطفال ضحايا لمخلفات الحرب يعكس “فشلاً متكرراً في قدرة السلطات” على احتواء هذه الظاهرة الخطيرة، و”التعامل معها بجدية تتناسب مع حجم التهديد الذي تمثله”.
وتوضح التركاوي أن “تكرار الحوادث يعني بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الألغام والمخلفات لا تزال منتشرة في أماكن قريبة من الأحياء السكنية، وفي مزارع وطرق عامة، ما يجعل السلطات في مواجهة مسؤولية مباشرة حيال تأمين حياة المدنيين”.
وتؤكد أن “الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر لأنهم غالباً ما يلعبون في مساحات مفتوحة من دون إدراك طبيعة الأجسام التي قد يعثرون عليها، فبعضها مدفون وتظهر أجزاء منه، وبعضها مكشوفة في أماكن يسهل الوصول إليها، ما يجعلها خطرة ويمكن أن تنفجر في أي لحظة”.
تضيف التركاوي: “استمرار وقوع الحوادث بعد سنوات من انتهاء المعارك الكبرى يثير تساؤلات جدية حول فعالية الإجراءات المتخذة، فالسلطات ليست مطالبة بإزالة هذه المخلفات فحسب، بل بعزل المناطق الملوثة ووضع علامات تحذير واضحة، كما لم نسمع أن أي حكومة أطلقت حملات توعية تستهدف الأطفال والأهالي”.
وتتساءل بمرارة: “كم طفلاً يجب أن تفقد البلاد قبل أن تتحرك الجهات المسؤولة بشكل أكثر فاعلية؟ واقع الإهمال يجعل الأطفال أشبه بكواشف ألغام بشرية، فهم يكتشفون هذه المتفجرات بأجسادهم أثناء اللعب نتيجة الفضول الطبيعي، بينما طريقة تعاطي السلطات مع الحوادث المتكررة بالاكتفاء بدعوة المواطنين إلى الإبلاغ عن الأجسام المشبوهة لا يكفي”.
وحظيت مخاطر مخلفات الحرب في ليبيا باهتمام دولي متزايد، ففي نهاية عام 2024، كشفت الأمم المتحدة أن مساحة الأراضي الملوثة تقدر بنحو 444 مليون متر مربع، مشيرة إلى أن تطهير هذه المساحات قد يستغرق نحو 15 عاماً من العمل المتواصل.
وأكدت تقارير أممية أن عام 2024 شهد مقتل 16 شخصاً في ليبيا بسبب انفجار مخلفات حربية، ما يمثل ضعف عدد الضحايا المسجل في العام السابق، في مؤشر على تفاقم المشكلة بدلاً من حلها.
وتعزو الأمم المتحدة الصعوبات التي تواجه عمليات إزالة هذه المخلفات إلى عوامل عدة، من بينها استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، كما تسهم ممارسات خطرة من بعض المواطنين في تفاقم المشكلة، إذ يلجأ بعضهم إلى التخلص من المخلفات الحربية بطرق عشوائية، مثل رميها في البحر، أو محاولة تفكيكها لاستخراج المعادن منها، وهي ممارسات غالباً ما تنتهي بحوادث مأساوية جديدة.