Post image

أزمة القضاء الليبي تتفاقم.. المجلس الأعلى للدولة يدخل على الخط محذراً من انقسام يهدد هيبة الدولة

يتواصل التصعيد حول ملف السلطة القضائية في ليبيا مع دخول المجلس الأعلى للدولة على خط الأزمة ببيان شديد اللهجة، شدد فيه على رفض أي مساس باستقلال القضاء، في وقت تتشابك فيه مواقف المؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية، ما يعكس تحول الخلاف من نزاع قانوني إلى أزمة سياسية مؤسسية مفتوحة.

أكد المجلس الأعلى للدولة في بيان أصدره الأربعاء، رفضه القاطع لأي تدخل في شؤون السلطة القضائية أو التأثير على اختصاصاتها، معتبراً أن أي مبادرات تتعلق بهذا الملف يجب أن تتم في إطار توافق بين مجلسي النواب والدولة، وعبر آليات دستورية واضحة.

ودعا المجلس مجلس النواب إلى الالتزام بالتوافق الوطني وعدم إصدار تشريعات تمس استقلال القضاء خارج الأطر الدستورية، في رسالة مباشرة تعكس عمق الخلاف القائم بين المؤسستين التشريعيتين حول إدارة الملف القضائي.

وجدد المجلس الأعلى للدولة تأكيده على دعم السلطة القضائية باعتبارها الركيزة الأساسية لدولة القانون، مشدداً على ضرورة الالتزام بالأحكام الصادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا وتنفيذها دون إبطاء، معتبراً أن هذه الأحكام ملزمة وغير قابلة للطعن أو التعطيل.

ويضع هذا الموقف المجلس في مواجهة مباشرة مع مواقف صدرت عن مجلس النواب وبعض الجهات المرتبطة به، خاصة بعد صدور أحكام عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا قضت بعدم دستورية عدة قوانين صادرة عن مجلس النواب، من بينها قانون إنشاء المحكمة الدستورية العليا في بنغازي.

أدت هذه الأحكام إلى إعادة المجلس الأعلى للقضاء إلى تشكيله السابق قبل عام 2022، الأمر الذي رفضه رئيس المجلس المستشار مفتاح القوي، ما أدى إلى بروز ازدواجية في المرجعية داخل السلطة القضائية بين الشرق والغرب.

وشهدت الفترة الماضية محاولات لاحتواء الأزمة عبر مبادرات وساطة قادها فقهاء قانونيون وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلا أن هذه الجهود لم تحقق اختراقاً ملموساً، في ظل تمسك كل طرف بموقفه، واستمرار حالة الاستقطاب داخل المؤسسات المعنية.

وتعود جذور هذا الخلاف إلى تصاعد التوتر بين المحكمة العليا ومجلس النواب منذ نهاية عام 2025، عندما هاجم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح رئيس المحكمة العليا واعتبره طرفاً سياسياً، في حين ردت الجمعية العمومية للمحكمة العليا بالتأكيد على استقلال القضاء ورفض أي تدخل في شؤونه.

ودخلت لاحقاً حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها على الخط بدعمها للمحكمة العليا وتحذيرها من أي مساس باختصاصاتها، في مقابل تمسك الحكومة المكلفة من مجلس النواب بمواقف داعمة للسلطة التشريعية، مما عمق الاستقطاب السياسي حول الملف القضائي.

وفي فبراير الماضي حذر المجلس الأعلى للقضاء من محاولات للمساس بوحدة واستقلال السلطة القضائية، معتبراً أن هذه التحركات تقف وراءها أغراض سياسية وشخصية، وتسعى إلى فرض بدائل موازية للمجلس بما يقوض صلاحياته.

كما شهدت مدينة سرت وقفة احتجاجية لقضاة وأعضاء الهيئات القضائية رفضاً لانعكاس الانقسام السياسي على القضاء، وتأكيداً على ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسة القضائية.

وفي مارس الجاري، تصاعدت التحذيرات مع بيان نقابة موظفي العدل والهيئات القضائية التي نبهت إلى مخاطر وجود مجلسين متوازيين في الشرق والغرب، معتبرة أن هذا الوضع قد يؤدي إلى انقسام فعلي داخل مؤسسات العدالة ويجعل الأحكام القضائية عرضة للتشكيك.

ويرى مراقبون أن دخول المجلس الأعلى للدولة على خط الأزمة يعكس انتقال الملف القضائي إلى مستوى أعلى من التجاذب السياسي، حيث باتت كل مؤسسة تحاول تثبيت مرجعيتها القانونية في مواجهة الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى ترسيخ الانقسام بدل احتوائه.

كما يحذر قانونيون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تضارب في الأحكام والقرارات القضائية، ويخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المواطنين في القضاء وعلى استقرار المعاملات القانونية والاقتصادية، إذ إن غياب مرجعية قضائية موحدة قد يفتح الباب أمام الطعن في الأحكام أو الامتناع عن تنفيذها.

وتتجاوز تداعيات الأزمة البعد القضائي لتطال المشهد السياسي الأوسع، حيث يتزامن هذا التصعيد مع استمرار الانقسام بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، ما يجعل القضاء عرضة لأن يكون ساحة جديدة للصراع، بدلاً من أن يكون أداة للفصل فيه.

ويجمع متابعون على أن احتواء هذه الأزمة يتطلب توافقاً سياسياً حقيقياً يفضي إلى توحيد المؤسسات، وعلى رأسها السلطة القضائية، عبر احترام الأحكام القضائية والالتزام بالمسارات الدستورية، وإبعاد القضاء عن التجاذبات السياسية، باعتباره الضامن الأخير لوحدة الدولة وحماية الحقوق والحريات في مرحلة انتقالية لا تزال مفتوحة على احتمالات.